عيد الأضحى ورسوم الكاريكاتير



... يعودُ العيد كل عام، وتعودُ معه مظاهر الفرحة والابتهاجِ والاحتفال، فتتجلى البسمات وتنجلي الخيبات، وتتعالى التهليلات والتكبيرات، شكرا لله تعالى وتعبدًا، بما منَّ به سبحانه وتعالى على عباده ببلوغ هذه المواسم الخيِّرة العظيمة، بَيْدَ أنَّ مظاهر الفرحة هذه المطلوبة شرعا-طبعًا- تتخللها كثير من المخالفات الشرعية، لا ينتبه لها عامة المسلمين ولا يُلقُون إليها بالاً، إمَّا عن جهل وإمَّا عن تساهل.

من تلكم المخالفات الخطيرة، والمظاهر الحقيرة، ما نراه أيام عيد الأضحى المبارك من هجمات شرسة على شعيرة الأضحية، فتتعالى الصيحات والتنديدات باسم حقوق الحيوان، مصورةً هذه العبادة الجليلة بأبشع تصوير .. عمل وحشي، غير إنساني، إرهابي ... إلى غير ذلك الاتهامات الباطلة، والادِّعاءات الزائفة، التي لا يُراد من ورائها إلا تشويه الإسلام، واضطرار المسلمين إلى أضيق السبل، خاصة من أذعن منهم لترهات حقوق الحيوان.
قد يقول قائل: لكن هذه الهجمات والادِّعاءات ليست من المسلمين، بل من أعداء الله الكافرين، نقول: هو كذلك، لكن بعض المسلمين -هدانا الله وإياهم- يسلك طريقهم وينهج سبيلهم في مظاهر مختلفة، شعر بذلك أم لم يشعر،  من ذلك الرسومات الكاريكاتورية التي تحمل في طياتها الكثير من الاستهزاء، والقدح والتشنيع لهذه الشعيرة المقدسة، شعيرة النحر لله سبحانه وتعالى، التي تعتبر من أسمى مقامات التعبُّد والتوحيد، حيث لا ذبحَ ولا نحرَ إلا لله تعالى، فتراهم يستخفِّون ويستهزؤون ويحاربون هذه الشعيرة بتصوير الأضاحي (كباشا وخرافا ..) في صورة الضحية المظلومة المنتهكة، فكبش يسعى إلى تغيير شكله إلى حيوان آخر حتى لا تناله النِّصال، وكبش ينتحر شنقا حين يفكر في السكين والذبح، وآخر يجبر الأضاحي على الغناء والرقص رافعاً سيفه أو سكينه مهدِّدًا، إلى غير ذلك من الصور القبيحة التي تهدف إلى تصوير شعيرة الأضحية بأبشع تصوير.




أما علم أولئك أن هذه الكباش والخراف التي يحاولون تصويرها بصورة الضحية الخائفة المرتعبة المظلومة داخلة في عموم قوله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44]؛ يقول ابن كثير رحمه الله- في تفسيره: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، [صحيح البخاري برقم (3579)].
فإذا كانت هذه الأضاحي تسبح الله تعالى، فكيف يتجرأ هذا الإنسان الجهول ليفتري على الله كذبا ويحاول أن يصورها في صورة الضحية المظلومة الكارهة لهذه العبادة الجليلة، ويصور من قام بها بأنه سفاح عديم المشاعر والإنسانية.   
بل وصل الحد بإحدى القنوات الفضائية أن تجعل مثل هذه الرسوم القبيحة ومضاتٍ إشهارية تُبَثُّ بين الفينة والفينة، فيرى الرائي خِرفانا مرة تحاول الانتحار ومرة مهددة بالسكاكين ومرة ومرة ... فيضحك ويقهقه .. لكن بطول مشاهدة تلك الصور وتَكرارها تنطبع في ذهنه صورة الضحية المظلومة، وما يُفعًل بها، فيتحول النحر عنده من عبادة جليلة إلى عمل وحشي غير إنساني، نسأل الله تعالى العفو والعافية، وهنا تكمن خطورة هذه الصور، فظاهرها التسلية والترفيه، وباطنها الخبث ومحاربة شرع الله تعالى،
وه\ه سنة أعداء الله، فهم مواضبون على عصيانه ومناهضته كلما سنحت لهم فرصة، وأنا لست هنا لأدعو هؤلاء إلى التعقل والتراجع عن أفعالهم، لأنهم صمموا على ذلك وصمموا له، فالفكرة فكرتهم والعمل عملهم، نسأل الله أن يهديهم أو يذهبهم، لكن ندائي موجه إلى إخواني وأخواتي  الذين يتداولون هذه الصور على سبيل المزاح والترفيه والتسلية، دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من معاني خبيثة مبطنة، تسيء إلى الإسلام وتعترض على هذه الشعيرة باسم حقوق الحيوان و...،
من هنا أوجه ندائي إلى كل الذين يتداولون هذه الصور على سبيل المزاح والترفيه والتسلية، دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من معاني خبيثة مبطَّنة خاصة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، مثل: الفيسبوك، والتويتر، وجوجل+، وغيرها كثير ...  أنِ احذروا .. وتنبَّهوا .. قبل أن تستعملوا أي صورة من هذا القبيل .. تمعَّنوا فيها جيدا واقرأوا ما تحاول هذه الصورة قولَه، حتى لا تكونوا من المساهمين في محاربة دين الله تعالى ...
هذه صرخة نذير .. على كل مسلم غيور على دينه أن يأخذها على محمل الجد، ولا يقول: هذا تهويل، ومجرد توهم وتخمين .. والمسألة أبسط من هذا ..!!،  ... لا لا القضية أكبر من هذا، بل أقلُّ ما فيها الاستهزاء بدين الله تعالى، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)) [التوبة/65، 66].
وختاما
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
أبو يونس العجماوي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تهنئة العيد

المثقفون العرب وعقلية الجدار